محمد أبو زهرة

1143

زهرة التفاسير

والوصف الثالث : أنهم قانتون ، والقانت هو الطائع المديم للطاعة غير متململ منها ، ولا متبرم بها ، ولا خارج على حدودها ، فالقنوت يصور الإذعان المطلق . والوصف الرابع : أنهم المنفقون ، أي أنهم ينفقون المال في مصارفه سواء أكانت عامة أم كانت خاصة ، وقد بينّا مناهج الإنفاق الديني فيما أسلفنا . والوصف الخامس : أنهم مستغفرون بالأسحار ، والأسحار جمع سحر ، وهو آخر الليل ، وهذا الوقت وقت التهجد ، وتذكر ما كان من عمل ، واستقبال ما يكون من أعمال ، فالاستغفار فيه باستشعار الضراعة وتذكر اللّه ، والشعور بمراقبته ، يجعل المؤمن يستقبل أعمال الحياة بقلب سليم نقى كما هو ، فلا يكون فيه إلا خير ، وليس الاستغفار هو ترداد كلمة أستغفر ، إنما هو الشعور بالخضوع ، ومراقبة اللّه والضراعة إليه سبحانه ، وليس كذلك أكثر المستغفرين ؛ ولذا قالت رابعة العدوية : « استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير » . ولقد روى البخاري أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « سيد الاستغفار أن تقول : اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك على ، وأبوء بذنبي فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت . ومن قالها بالنهار موقنا فمات من يومه قبل أن يمسى فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة » « 1 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 18 إلى 19 ] شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 19 )

--> ( 1 ) رواه البخاري بهذا اللفظ عن شداد بن أوس رضي الله عنه : الدعوات - أفضل الاستغفار ( 5831 ) كما رواه الترمذي والنسائي وأحمد بنحوه .